الحارث المحاسبي

26

المسائل

وآخر ليس مقامه مقام داع إلى اللّه ، لا يعرف بالدعاء ، ولكنه يحب أن يظهر طاعته للّه ، لأن ينيله الناس من دنياهم ، فقد حلّ به الضعف لسوء إرادته . وآخر رسخت منه الطاعة للّه تعالى رغبة منه إلى اللّه في ثوابها ، والرهبة من المعصية خوف عقابها ، صح منه السر والجهر في علمه . غير أنه يذكر أنه إذا نظر الناس إليه ، وعطفوا عليه ، سره ذلك ، لأن حوائجه عندهم حينئذ مقضية . وإن قضيت حاجته ، وأعطى على مسألته لما يظهر عندهم من الطاعة ازداد للّه طاعة ، وعند تعظيم الناس له على طاعته ازداد استكانة ، ليس بمستطيل في طاعته . وآخر إذا رآى تعظيم الناس له في طاعة اللّه جد فيها ، وسرّ بما يرى من تعظيم الناس عليها ، ليس يريد بحبه إلا ما يريد من تعظيم الناس على الدين . وقد يكون أن يصح العبد في طاعته ، وهو يريد أن يعظم أمانته ، فيلبسه ربه الستر ، ويظهر منه حسن الفعل ، ليكون قوله مسموعا ، وفعله متبوعا . وإذا تم العبد في عمله بالاشتغال ، لم يذكر إلا بصحة الأعمال ، فإذا قام في نية الأعمال لم يذكر في فعله من شدة شغله به أهلا ولا مالا . قد ملأه ما فيه ، فليس يذكر إلا ما يعنيه يرى أن ذكره غير ما هو فيه نقصان ، فلا يريد من فعله إلا التمام . وإذا تبين للشيطان أنه يريد بفعله غير اللّه ، فإنه يعرض له بغير ما يفعل ، ليذكر غير الفعل الذي هو فيه ، ليكون ذلك في الفعل نقصا . وقد يذكر فعل الطاعة الذي يفعل ، فيشتغل به عن تمام ما هو فيه . وإن ذكّر العبد غير ما هو فيه بنسيان ، فوسوسته إلى العباد مختلفة على قدر مذاهبهم ، وليس كل الناس يوسوس إليهم بشيء واحد . فمنهم من يوسوس إليه بترك الطاعة المفروضة . ومنهم من يوسوس إليه بترك النفل . ومنهم من يوسوس إليه بالمعصية . ومنهم من يوسوس إليه بالشبهات . ومنهم من يراصده بالوسوسة .